لماذا ينام اليابانيون على الأرض؟ نُقدم لكم تاريخ فراش الفوتون في اليابان!

0

إذا زرتم اليابان وأقمتم في نزل تقليدي فعادةً ستمرون بتجربة النوم على الأرض، حيث يتم تحضير فرشات فوتون بيضاء تبدو مثل كومة القطن ناعمة ومريحة. وقد يتحمس البعض لتجربة هذه الثقافة الجميلة وهناك من سيندهش ويستغرب من فكرة النوم على الأرض في النزل!

 

فاليابانيون معروفون منذ القدم حتى يومنا هذا أنهم يفضلون النوم على الأرض بدلاً من الأسرة ذات النمط الغربي. وهذا الجزء من الثقافة والتقاليد اليابانية استمرت حتى يومنا هذا وستستمر في المستقبل أيضاً. وفي هذه المقالة سنكتشف معاً أصل الفوتون الياباني وتاريخه، إلى جانب مزاياه وطرق الحفاظ عليه. لنبدأ جولتنا في الثقافة والتقاليد اليابانية!

 

ماهو الفوتون؟

فوتون (布団) وهو الفرشة أو السرير الأرضي التقليدي الذي ينام عليه اليابانيون. والفوتون الياباني مستوٍ ومفرغ من الهواء بسمك 5 سنتيمترات تقريباً، وعادةً يكون محشو بالقطن أو القطن الصوفي الاصطناعي. وعادةً عند شرائه يكون مجهز بجميع قطعه وهي فرشة الفوتون وتُدعى “شيكوبوتون” (敷布団)، واللحاف أو الغطاء ويُدعى “كاكيبوتون” (掛布団)، والوسادة  تُدعى “ماكورا”(枕).

 

 

أصل وتاريخ استعمال الفوتون في اليابان

خلال فترة نارا (710-794) كان النوم على هيكل سرير مغطى بحصيرة التاتامي رفاهية لا يستمتع بها إلا النبلاء وأصحاب الطبقة الراقية. بينما كان الفلاحون ينامون عادة على أكوام من القش أو الحصير المصنوعة من القش، أو قد ينامون حتى مباشرةً على الأرض. وخلال هذه الفترة وصلت أقدم الأسرة المعروفة إلى اليابان من الصين وبدأت ثقافة حصير التاتامي في التطور أيضاً في القرن الثامن.

 

وفي خلال فترة هييان (794-1185) تطورت الأسرة لتصبح فاخرة أكثر لتتكون من عدة حصائر تاتامي مكدسة فوق بعضها البعض، تُسمى يايداتامي (八重畳). وقد كان عدد الطبقات لهذه الأسرة يتناسب مع رتبة الشخص المعني. وبهذا نجد أنها كانت موجودة فقط في منازل أصحاب الطبقة الراقية والنبلاء.

 

وقد كانت الوسادة عبارة عن قطعة صغيرة مصنوعة من نفس مادة حصيرة التاتامي. وتُظهر المراجع والرسوم التوضيحية التاريخية في ذلك الوقت أن حصير التاتامي لم يكن يغطي الأرضية الخشبية بالكامل فقد كان يُتسعمل فقط كسطح للراحة كالنوم أو لقضاء الوقت عليه للاسترخاء واللعب.

 

صورة تعبيرية عن شخصيات نبيلة تقضي وقت الراحة باللعب فوق حصيرة تاتامي

 

القطن كأداة حرب

كان القطن موجود في اليابان منذ فترة هييان، ولكن زراعته الأولية لم تكن ناجحة. ومع ذلك لقد ازداد الطلب عليه خلال فترة المقاطعات المتحاربة (1467–1615). ونظراً لأنه كان لا يزال مكلفاً وليس من السهل إنتاجه، فتم استعماله بشكل رئيسي في المواد الحربية، مثل الصمامات المتفجرة للقنابل والحبل بطيء الاشتعال لإشعال بنادق القفل والخ. وكما تم استعماله في صنع الأعلام وملابس الجنود وغيرها من استعمالات مهمة.

 

ولكن بعد استقرار اليابان شهدت بداية فترة إيدو (1603-1868) انخفاض الطلب على القطن للأدوات الحربية، وبالتالي بدأ القطن ينتشر ببطء بين الناس عامة وفي الأسواق. وفي ذلك الوقت كانت اليابانيون معتادون على خلع الكيمونو الذي كانوا يرتدونه أثناء النهار من أجل التغطية في الليل، وعندما ينام الرجال والنساء معاً كانوا يستعملوا أكمام كيمونو الخاص بهم كوسادة لبعضهم البعض، أليس ذلك رومانسي!

 

وبهذا أدت زيادة استعمال القطن إلى اختراع اليابانيون لفكرة الكيمونو المبطن للنوم. وقد كان هذا الكيمونو أول بيجاما يابانية تُسمى “كايماكي فوتون” (掻巻布団) وقد كان مفضلة من قبل الساموراي من الطبقة العليا والمتوسطة والتجار منذ منتصف القرن السابع عشر، ومع الوقت انتشر بين عامة الناس.

 

ومازال كايماكي فوتون منتشر حتى يومنا هذا، حيث تطورت صناعته أكثر وهناك أنواع يتم صنعها من الكتان. حيث يوجد منه ألوان ونقوشات وأنماط كثيرة وعديدة تجذب اهتمام الناس لاستعماله كغطاء للنوم وللتدفئة في الشتاء.

 

 

تطور فراش الفوتون إلى شكله النهائي

مع مرور الوقت انتشرت فراش نوم رقيقة ومبطنة قليلاً بالقطن، تُدعى “سينبي بوتون” (煎餅布団) وقد كانت تحمل نفس اسم البسكويت الياباني الرقيق كفكاهة ولكن يبدو أن الاسم تم اعتماده. هذا النوع من الفوتون الرقيق كان يشبه الورق الرقيق وكان يصبح صلب بمجرد النوم عليه. فنجد أنه انتشر بين الناس العامة وهناك من كان يستعمل عدة قطع منه للحصول على راحة أكثر.

 

أما بالنسبة لأصحاب الطبقات العليا والمتوسطة كالساموراي والتجار والنبلاء، فقد استعملوا فرشات فوتون مليئة بحشوة القطن. هذا النوع من الفراش كان غالي الثمن حيث كان يُصنع بدقة يدوياً ليصبح مريح وناعم لا يتصلب عند النوم عليه.

 

وفي منتصف فترة ميجي أصبح الشكل السائد للفرشات هو شكل المربع بخلاف الفرشات السابقة. ولكن لماذا ياترى تم صنع فرشات مربعة ولم يصنعوا فرشات على شكل كيمونو مبطنة؟ ربما لأنها أسهل في الخياطة ياترى! 

 

وفي نهاية القرن التاسع عشر بدأت المتاجر المخصصة لبيع الفوتون في الظهور تدريجياً، ومع ذلك لم تكن فرشات الفوتون في متناول أيدي الجميع، حتى تم استيراد المزيد من القطن بأسعار أرخص مما ساعد على انخفاض ثمن الفوتون وانتشاره بسرعة. ولم تُعد فرشات الفوتون رمزاً للمكانة الراقية بل أصبحت عنصراً شائع الاستعمال من قبل جميع عامة السكان.

 

 

ما هي مزايا النوم على الأرض وما هي مزايا الفوتون؟

لسنوات عديدة أشارت التجربة الشخصية للعديد من الأشخاص إلى أن النوم على أسطح صلبة أكثر فائدة للعمود الفقري. حتى عام 2005 كان هناك القليل من الأدلة التجريبية حتى نشر الباحثون أول تجربة إكلينيكية ألقت مزيداً من الضوء على هذا الصدد.

 

حيث قام الباحثون بتقييم نتائج النوم بمستويات مختلفة من الصلابة للمرضى الذين يعانون من آلام الظهر المزمنة. وذلك باستعمال مقياس الصلابة من 1 إلى 10 (أقل صلابة إلى أكثر صلابة). وقد حصلت المستويات 6-7 على أفضل النتائج، وتبعهم المستوى 8 في المركز الثاني. لذلك فإن فوائد النوم على سطح صلب قليلاً له فوائد كثيرة.

 

وهذا يعني أن النوم على فوتون على الأرض لا يسبب آلام الظهر ولا يؤذي العظام. وبالتأكيد هذا لا يعني أنه لا يوجد آلام ظهر بين اليابانيين، بل العكس يوجد آلام ظهر بينهم كما هو الحال في أي دولة متقدمة أخرى، إلا أن عوامل التسبب بهذه الآلام كثيرة، ولكن بشكل عام تُعد عادة النوم على فوتون على الأرض يضمن عدم تفاقم الأمر.

 

 

أما بالنسبة لمزايا الفوتون فهي كالتالي:

 

١. يمكن استعمال غرفة كبيرة فارغة خلال النهار

حقيقة أنه يمكن طي فرشة الفوتون وتخزينها مثل وضعها داخل الخزانة في مساحة صغيرة هي ميزة تتفرد بها. وهذه الميزة تجعلها مناسبة للجميع، فإذا كنتم تعيشون بمفردكم ولديكم مساحة محدودة في الغرفة، أو إذا كان لديكم غرفة نوم هي نفسها غرفة الدراسة، أو إذا كان لديكم غرفة لنوم الأطفال ونفس الوقت هي غرفة معيشة وغيرها من حالات، بكل سهولة عند الاستيقاظ ماعليكم سوى طي الفرشة واللحاف ووضعهم داخل الخزانة، وحتى إذا لم تتوافر الخزانة يمكن طي الفوتون لتصبح في شكل مربع وضعوها في الزاوية.

 

٢. سهلة التنظيف

الفوتون لينة ويمكن وضعها في أي مكان، وعند التنظيف بكل سهولة يمكنكم حملها إلى الشرفة وتجفيفها في الشمس. حيث يجب الاهتمام بنظافة الفوتون من خلال تجفيفها بانتظام في الهواء الطلق. كما يوجد غسالات تنظيف الفوتون في اليابان يمكن من خلالها غسلها بالكامل.

 

 

٣. لا يوجد قلق بشأن السقوط أثناء النوم

إذا وضعتم الفوتون على الأرض فلن تسقطوا. الفوتون تُعد آمن لمن يتقلب كثيراً أثناء النوم، وأيضاً مناسبة كسرير آمن للأطفال.

 

 

٤. يمكن التخلص من الفوتون بسهولة

عند الرغبة في التخلص من الفوتون فهو أقل عبئاً من السرير الكبير. يمكن لشخص واحد فقط حملها بالسيارة وإحضارها إلى مركز القمامة الضخم. حيث يتم اعتبار الفوتون أنها قمامة كبيرة الحجم، ولكن يمكن لبعض الحكومات المحلية التخلص منها كقمامة عادية إذا تم تصغيرها في بعض الأماكن. ولكن لكل دولة عربية نظامها الخاص في التخلص من القمامة وبشكل عام سيكون التخلص من هذه الفرشة أسهل من السرير الكبير.

 

 

كيف يتم صنع الفوتون؟ ما هي طرق المحافظة على الفوتون؟

عادة ما تكون الفوتون التقليدية مصنوعة يدوياً من القطن 100%. ولكن في الوقت الحاضر تدمج العديد من الشركات المصنعة أيضاً مواد مثل البوليستر أو اللاتكس أو رغوة البولي يوريثان. في الواقع استعمال هذه المواد الاصطناعية ليس سيئاً بالضرورة، لأنها تسهم في توفير راحة أكثر وتسهل المحافظة على الفوتون.

 

ويُعرف الفوتون بأنه يمتص الرطوبة بسهولة ليس فقط رطوبة الإنسان، بل أيضاً الجو ففصل الصيف في اليابان معروف برطوبته العالية وهذا قد يؤثر سلباً على نظافة الفوتون. ومن أجل المحافظة على فوتون ناعم ونظيف ومريح دائماً، يجب اتباع بعض القواعد المعروفة مثل وضع قاعدة تحت الفوتون مثل حصيرة التاتامي، وذلك من أجل السماح بتدفق الهواء لمنع الفوتون من الاحتفاظ بحرارة الجسم ورطوبته أو رطوبة الجو والتي قد تسبب عفن فطري ونمو للبكتيريا في الفوتون.

 

وأيضاً لا بد من تحريك الفوتون من مكان لآخر حتى لا يحتفظ بالرطوبة، مثل وضعه في الخزانة في النهار، أو تهويته في الشمس مثل نشره على الشرفة أو وضعه بجانب النافذة حيث تلتقطه أشعة الشمس جيداً. ويُفضل القيام بهذه الطريقة مرة أسبوعياً وذلك حسب الجو.

 

 ولابد من تدوير فرشة الفوتون وقلبها للتأكد أنها متساوية من أجل نوم مريح، وبالتأكيد لابد من الانتباه لنظافة الأرض قبل وضع الفرشة وهكذا ستدوم معكم فرشة فوتون نظيفة وجديدة دائماً.

 

 

الخلاصة:

في هذه المقالة تعرفنا معاً على أصل فرشة الفوتون ومراحل تطورها لتصل إلى شكلها الحالي الذي نعرفه. والجميل في أن هذه الفرشات اليابانية التقليدية الناعمة، وأيضاً الغطاء الياباني “الكيمونو المبطن” مازلوا جميعهم مشهورين ويحظون بطلب مرتفع في اليابان. 

 

فلا يوجد منزل في اليابان إلا وبه فرشات فوتون كاملة وحتى إن كان على النمط الغربي. ومع ذلك جميعنا نعلم أن عادة النوم على فراش أرضي منتشر في العالم العربي، ولكن يبدو أن هذه العادة تتراجع شيئاً فشيئاً فغالباً أصبح الكثير من الناس تستعمل الأسرة الغربية.

 

ولكن إن قارنا عدد اليابانيين الذين ينامون أرضاً مع عدد العرب هم أكثر بفرق واضح. فكثير من العائلات حتى يومنا هذا تعتمد النوم الأرضي بسبب صغر مساحة المنزل في اليابان، وأيضاً ربما بسبب الزلازل، فكلما قلت الأغراض الكبيرة كلما كان المنزل آمن أكثر وبه مساحة شاسعة. ولذلك نلاحظ دائماً إبداع اليابانيين في استغلال المساحة بطرقهم المبدعة والمفيدة. 

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط