ما هو شعر الواكا الياباني؟ نُقدم لكم شرح عن شعر الواكا الياباني وتاريخه العريق!

0

لكل دولة فنون وأدب تتميز به بلغتها الخاصة والعميقة، وهذه المرة قررنا التعمق قليلاً في أدب اللغة اليابانية. فعلى سبيل المثال يوجد في اللغة العربية أشعار وقصائد بأنواع وأصناف تعددت منذ قديم الزمان وجميعها تتميز بفصاحة وعمق اللغة العربية.

 

ونفس الشيء في اللغة اليابانية، هناك أشعار وقصائد بأنواع وأصناف متعددة، تميزت بسحر وعمق اللغة اليابانية وتم توارثها حتى يومنا هذا. وفي هذه المقالة سأقدم لكم أقدم شعر بدأ في اليابان وهو شعر “واكا”، قد يكون صعب الفهم للبعض ولكن سألخص الشرح بشكل مبسط قدر الإمكان. لنبدأ جولتنا في الأدب الياباني!

 

 

ما هو “واكا”

واكا وهو شعر كلاسيكي يتم كتابته على نمط تانكا “قصيدة قصيرة” وهو الشكل الأساسي للشعر الياباني. وتُكتب كلمة واكا في اللغة اليابانية بهذا الشكل (和歌)، وهي تتكون من مقطعي كانجي الأول (وا 和) وهو يرمز لكل شيء يتعلق باليابان، ومقطع (كا 歌) ويعني “أغنية، قصيدة، شعر”.

 

 ويعد شعر واكا شعر عالي المستوى ويُعرف بأنه شعر البلاط الإمبراطوري من القرن السادس إلى القرن الرابع عشر، وبما في ذلك أشكال الشعر الأخرى مثل تشوكا وسيدوكا، وهي تختلف عن الأنواع الأخرى التي ظهرت لاحقاً مثل شعر رينغا وهايكي وهايكو.

 

ومن النصف الأخير من القرن السابع إلى النصف الأخير من القرن الثامن، تم تجميع أشعار واكا على أنها “مانيوشو”، وبقي أكثر من 4500 شعر كتبه مختلف الناس. ويعد شعر واكا من الأشعار الأساسية في الأدب الياباني لدرجة أن اليابانيين لا يزالوا يدرسونه ويكتبونه حتى اليوم. ويمكن استعمال مصطلح “تانكا” كمرادف له.

 

قواعد شعر واكا

منذ حوالي ألف عام، كتب شاعر اسمه كي نو تسورايوكي العبارة التالية: “شعر اليابان له جذوره في قلب الإنسان ويزدهر في أوراق الكلمات التي لا تعد ولا تحصى. ولأن البشر يمتلكون اهتمامات من أنواع كثيرة، فإن الشعر يعبر عن تأملات قلوبهم من حيث المشاهد الظاهرة أمام أعينهم والأصوات التي تصل إلى آذانهم. كسماع الطير يغني بين الأزهار وصوت الضفدع في المياه العذبة – فهل هناك أي كائن حي لم يُخلق للأغنية!”

 

وقصد الشاعر بكلمة “أغنية” هو شعر واكا. ومن أهم تقنيات وقواعد شعر واكا:

  • يتبع شعر واكا نمط مقطع لفظي من خمسة – سبعة – خمسة – سبعة – سبعة.
  • يتم كتابة شعر واكا ضمن حدود واحد وثلاثين مقطعاً لفظياً. 
  • يحتوي شعر واكا على “مقطع علوي” يشير إلى الأسطر الثلاثة الأولى، و”مقطع سفلي” وهو آخر سطرين.
  • يعتمد شعر واكا على الإيقاعات والأصوات الداخلية وتأثيراتها.
  • غالباً ما يعبر شعر واكا عن المشاعر.
  • تلتزم الكثير من أشعار واكا بوصف الطبيعة بدقة والتغني بها.
  •  تم استعمال شعر واكا من قبل الطبقة الأرستقراطية للتعبير عن مشاعرهم بدلاً من رسائل الحب العادية.

 

 

أشكال الواكا

اشتمل مصطلح واكا في الأصل على عدد من الأشكال المختلفة، وبشكل أساسي أشكاله هي: شعر تانكا “الشعر القصير”، وتشوكا “الشعر الطويل”، وسيداوكا “شعر متكرر الرأس”، وكتاوتا.

 

ومع ذلك تم إهمال آخر ثلاثة أشكال في بداية فترة هييان، واختفى شعر تشوكا بعد ذلك. وهكذا جاء مصطلح واكا في الوقت المناسب للإشارة إلى شعر تانكا فقط. ولكن سأقدم لكم شرح عام عن هذه الأشكال الشعرية التي ذكرتها.

 

  • تشوكا “الشعر الطويل”: وهو شعر ليس له طول محدد يتألف من أسطر متناوبة من خمسة وسبعة مقاطع، وينتهي بسطر إضافي من سبعة مقاطع. وأقصر شعر من نوع تشوكا يبلغ طوله 7 أسطر، أما أطول شعر يتكون من 150 سطر. ويتميز شعر تشوكا بأنه يمكن من خلاله تناول مواضيع من المستحيل كتابتها بشعر تانكا، وذلك بسبب مرونة واتساع شعر تشوكا.
  • سيداوكا “شعر متكرر الرأس”: وهو يتكون من مجموعتين من ثلاثة مقاطع، كل مقطع يتبع نمط خمسة -سبعة -سبعة. وكان هذا الشعر يُستعمل في شكل “موندوكا” أي “شعر الحوار” أو بشكل “سوموناك” ويعني الحوار بين العشاق. ولكن نادراً ما تمت كتابة تشوكا وسيدوكا بعد القرن الثامن.
  • تانكا “الشعر القصير”: هو أكثر أنواع واكا المنتشر طوال تاريخ الشعر المكتوب، حيث تجاوز فترة تشوكا وسبق شعر الهايكو. يتكون من 31 مقطعاً لفظياً في خمسة أسطر من خمسة -سبعة -خمسة -سبعة – سبعة مقطع لكل سطر. 
  • كتاوتا: يتكون السطر الشعري من خمسة- سبعة -سبعة.

 

الغرض والأهمية من شعر واكا

شعر واكا له تاريخ طويل ويُقال إن أصله يعود إلى الآلهة، ولذلك ظهرت العديد من أشعار واكا التي كتبتها الآلهة في سجلات “كيكي”. فمثلاً يُعرف الإله سوسانو في الأساطير اليابانية بأنه أيضاً بطل ثقافي وأدبي، لأنه كما يُقال قد قام بكتابة شعر واكا.

 

ويُقال أن الغرض الأصلي للواكا هو “السحر باستعمال كوتوداما”، حيث يمكن تهدئة قوة روح الأرض بشعر (国ほめ) “كوني هومي” ويعني “مدح الأرض” ذات المناظر الخلابة. وهناك طقوس نوريتو التي يقال فيها شعر (魂振) “تامافوري“. حيث يُقال أن طقوس “نوريتو” بلغة شينتو هي مألوفة وتناسب شعر واكا الذي يمكن استعماله أيضاً في طقوس التهنئة.

 

كما يتم استعمال شعر واكا كوسيلة للتعبير عن المشاعر بين الشعراء في الماضي. حيث تم تضمين العديد من شعر واكا الذي يعبر عن الرومانسية، والاحتفالات، واليوميات، ومذكرات السفر وما إلى ذلك، في مجموعة أشعار “مانيوشو” في “كوكين واكاشو”.

 

ويُقال أن مهنة “شاعر البلاط” كانت موجودة منذ عهد الإمبراطورة جيتو تينو في فترة (686 -697)، وفي تلك الفترة كان الشاعر “كاكينوموتو نو هيتومارو” من أبرز الشعراء المدرجين في “مانيوشو”.

 

ومنذ النصف الأخير من فترة أسوكا، بدأ شعر واكا يتغنى به الشعراء بنشاط في البلاط الإمبراطوري، وخلال فترة هييان، كان يُنظر إليه على أنه ثقافة من الطبقة العليا.

 

وعندما تأسست قوة الساموراي في فترة كاماكورا، قيل إن شعر واكا وصل إلى ذروته كقاعدة لقلوب الأرستقراطيين الذين فقدوا قوتهم الحقيقية. حيث كانت مهارة الشخص في الشعر معياراً رئيسياً في تحديد مكانته في المجتمع، وحتى كان له تأثير على المواقف السياسية.

 

كما كان شعر واكا القصير مهم لليابانيين طوال التاريخ، حيث كان ومازال يتم استعماله للاحتفال بالمناسبات الخاصة. ولا تزال العائلة الإمبراطورية تدير مسابقات سنوية لكتابة الشعر مفتوحة للجميع، والعديد من اليابانيين يشاركون بها.

 

*ملاحظة نوريتو هي طقوس للصلاة ودعاء الآلهة.

 

تاريخ واكا

 

عهد الآلهة “العصور القديمة”

تم إنشاء شعر واكا منذ قديم الزمان، حيث تحتوي سجلات “كيكي” على العديد من أشعار الواكا التي قيل أن الآلهة والأباطرة القدامى قامت بكتابتها منذ عهد الآلهة. كما كان هناك أغاني مثل الشعر تُدعى”كايو” كانت تُغنى في مجموعات أثناء المهرجانات وأثناء العمل قبل ظهور شعر الواكا. وعلى الرغم من أنه شعر يستند إلى “السحر باستعمال كوتوداما”، فقد كان شعر غير نمطي لم يكن متناسق مثل شعر تانكا.

 

وأيضاً يُقال أنه منذ العصور القديمة، كان هناك عادة تُدعى “أوتاغاكي” حيث كان الرجال والنساء يجتمعون لعزف وغناء شعر المغازلة والحب. وكما تصف سجلات كوجيكي كيفية التقاء الإمبراطور جنمو بالأميرة “إيسكي يوريهيمي” وطلبه من الشاعر “اوكومي نو كوتو” وهو من عائلة رفيعة وقوية بأن يقوم بشعر ياباني لهما.

 

التاريخ القديم

أصبح الشعر الذي يعبر عن المشاعر الفردية شائع بسبب تأثير الشعر الصيني. ويُعتقد أن مهنة “شاعر البلاط” نشأت في وقت قريب من عهد سلالتي تينمو وجيتو خلال فترة أسوكا. كما اشتهر الإمبراطور تينمو بتأسيس السياسة الإمبريالية “نظام سياسي يتمحور حول الإمبراطور والإمبراطور”، ويقال أيضاً أن الشاعر “كاكينوموتو نو هيتومارو” كان يكتب العديد من الأشعار التي تمدح الإمبراطور. 

 

وفي القرن السابع تطور شعر واكا بسرعة، وقد انتشرت أشكالاً وتقنيات مختلفة للشعر في تلك الفترة. وحتى بعد فترة نارا تمت كتابة هذه الأشعار بنشاط في البلاط الإمبراطوري. ويُقال إن سجل “مانيوشو” كان مكافأة لتخليد هذه الأعمال.

 

وبعد ذلك، عندما تم إنشاء مجموعة الشعرية “كوكين واكاشو” في أوائل فترة هييان (794-1185)، تم تأسيس مفهوم واكا كثقافة فريدة لليابان. وأصبحت الثقافة اليابانية على دراية واسعة بثقافة الهان الصينية، لذلك تم وضع قاعدة “لا يُستعمل الكانجي “الرموز الصينية” في شعر الواكا”. 

 

وفي نفس فترة هيان أصبح شعر واكا من ثقافة الطبقة العليا. أما في عهد الإمبراطور موراكامي، تم إنشاء مكتب حكومي يسمى “واكاشو” لوصف مجموعة أشعار واكا، ثم تم عقد اجتماعات النقد الأدبي لتقرير تفوق الشعراء أو دونيته.

 

 

العصور الوسطى

وفي فترة كاماكورا (1185-1333)، أصبح شعر واكا قلب الأرستقراطيين الذين حرمتهم عائلة الساموراي من سلطتهم. ونتيجة لذلك أصبح شعر واكا شائع بينهم وأقيم العديد من الحفلات الفنية التي يُلقى فيها الشعر. حيث بلغ فن الأرستقراطيين ذروته في ذلك الوقت، وبلغت مهارة شعر الواكا أوجها. وتم تجميع أشعار واكا في “شين كوكين واكاشو” بأمر من جو توبين، الذي أُعجب بشعر واكا.

 

ولكن مع بداية فترة موروماتشي بدأ شعر واكا بالانخفاض مع تراجع قوة الأرستقراطيين، وتحول التيار الرئيسي لثقافة الطبقة العليا إلى شعر يُدعى رينغا والأدب الجديد. 

 

من العصر الحديث المبكر

يقال أن الكثير من الشعراء قد ظهروا نتيجة فن “الكاغاكو” التقليدي الذي بلغ ذروته في أوائل العصر الحديث، ولكن يبدو أنه لم يظهر أسلوب شعري جديد لأن هذا الفن كان مكتملاً من قبل باسم “كادو” ويعني نظم الشعر. ولكن في النصف الأخير من العصر الحديث المبكر، ظهر تقدم جديد يتعلق بشعر واكا من مدينة كيوتو، وهو ظهور مدرسة شعر واكا اسمها “مدرسة كيهين”.

وفي فترة مييجي (1868-1912) ظهر شعراء طموحين حاولوا التعديل على شعر واكا، وبالفعل ظهر أسلوب شعري جديد يناسب العصر الجديد.

 

 

كوتوداما

لقد ذكرتُ مسبقاً مصطلح كوتوداما عدة مرات، لذلك سأقوم بتقديم معنى هذا المصطلح. يُقصد بكوتوداما هو “القوة الروحية للكلمات” التي آمن الناس بها منذ العصور القديمة في اليابان. وهو مصطلح يتم التعبير من خلاله عن “روح الكلمات” و”روح الأشياء”، فإن “الكلمات” و”الأشياء” تحوي نفس مفهوم كوتوداما. 

 

فالكلمات المنطوقة تؤثر على الأشياء التي تحدث، فمثلاً كانت الناس تقول في الماضي: “عندما تقول كلمات طيبة، ستحدث أشياء جيدة، وعندما تقول كلمات مشؤومة، تحدث أشياء سيئة”. هذا هو ما يقصد به الناس بمصطلح كوتوداما أي “سحر الكلمات”.

 

فكان شعر واكا يعتمد في الأصل على “سحر كوتوداما”. وفي بعض أشعار واكا في “مانيوشو”، تم وصف اليابان باسم “كوتوداما نو ساكيوا كوني” بمعنى “بلد يجلب السعادة بقوة كوتوداما”.

 

ففي الأساطير اليابانية عندما ينشأ نزاع بين الآلهة كان يتم استعمال طريقة “الوعظ بالكلمات أولاً، وجعل الطرف الآخر يطيع”. فمثلاً كما ذكرتُ في مقالة “سجلات كوجيكي” قام سوسانو بإعلان التعهد للاتفاق مع أماتيراسو. حيث يحتوي التعهد على  شرط “إذا حدث شيء لا يرضي الطرف الآخر، فسيتم تنفيذ التعهد بالمتفق عليه”.

 

كما نرى يمكن القول أن اليابان و”كوتوداما” كان بينهما ارتباطاً وثيقاً منذ العصور القديمة. كما أن هناك أفكار مشابهة لكوتوداما في جميع أنحاء العالم، ويبدو أن “المانترا” في البوذية الباطنية و”النَفَس” في الفلسفة اليونانية تتوافق مع هذا.

 

مازال هناك طقوس وطرق تستعمل فكرة كوتوداما

من الأمثلة على استعمال سحر كوتوداما هو طقوس “نوريتو” في ديانة الشينتو، حيث يمكن الاستماع لهذا الفن في الطقوس التي يتم إجراؤها بقراءة كلمات التهنئة في الضريح.

 

كما تندرج “سوترا” و”مانترا” في البوذية تحت هذه الفئة. كما يُقال أن هناك طريقة لاستعمال كوتوداما لا علاقة لها بالدين. وتُسمى “ناغاموشي”. 

 

وربما سر استمرار كوتوداما حتى يومنا هذا هو وجود أمثال في اليابان تتعلق بالكلمات وتأثيرها استمرت منذ القدم حتى يومنا هذا، كالمثل المشهور “الحقيقة تخرج من الكذب” و”الفم مصدر الكارث”.

 

 

المئة قصيدة

“المئة قصيدة” أو باللغة اليابانية ( 百人一首) “هياكونين إيشو”، وهي من أشهر القصائد في اليابان، وهي مكتوبة بنمط واكا. وقد جمعها ورتّبها الشاعر “فوجيوارا نو تيكا” بين عامي (1235-1241). هذه القصائد مميزة بكلماتها والمشاعر التي تنقلها بطرق عميقة ومؤثرة. إذ حافظت على تميزها منذ مئات السنين حتى يومنا هذا ليدرسها اليابانيون في الجامعات والمدارس.

 

لقد أرفقتُ لكم رابط لفيديو يُقدم “مئة قصيدة” أوصي للاستمتاع لها للتعرف على جمال هذه القصائد ونمط شعر واكا.

 

百人一首朗読。現代語訳付き|BGM

 

الخلاصة:

في هذه المقالة قدمتُ لكم شعر واكا وأشكاله الرئيسية وتاريخ تطوره واستعماله وأهميته، قد يكون هناك بعض الصعوبات في الفهم خاصةً عند وجود مصطلحات قديمة تتعلق بالثقافة والتفكير الياباني العميق. ولذلك حاولتُ تبسيط الشرح لإيصال المعاني والأفكار اليابانية بشكل ممتع لكم. 

 

أرغب في المرة القادمة أن أقدم “المئة قصيدة” بتفاصيل أكثر عن تاريخها مع شرح لبعض سطور الشعر فيها. إذا كنتم مهتمين يمكنكم إخبارنا برأيكم وما هي اهتماماتكم بشأن الأدب الياباني. أتمنى أنكم استمتعتم واستفدتم في هذه المقالة، وأشكركم على القراءة حتى النهاية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط