ما هي العقلية اليابانية؟ نُقدم لكم طرق التفكير والصفات الشائعة بين اليابانيين!

0

هناك الكثير من الأجانب الذين زاروا اليابان واندهشوا بطرق تفكير اليابانيين وبصفاتهم المشتركة، حتى الذين تعاملوا مع اليابانيين أو شاهدوهم في البرامج والدراما لا أشك أنهم لاحظوا وجود طرق تفكير وصفات مشتركة بشكل عام بين اليابانيين. ومع ذلك هناك من يستغرب ويتسائل عن السبب وراء أحد هذه الصفات المشتركة، ولذلك سيكون من الجيد دراسة الثقافة اليابانية وطرق تفكيرهم بشكل عام حتى يصبح هناك تفاهم أكثر بين الطرفين.

 

وفي هذه المقالة سأقدم لكم أشهر طرق التفكير اليابانية والصفات المشتركة بينهم بشكل عام. لنبدأ جولتنا في عالم الثقافة اليابانية!

 

تفضيل المصلحة العامة على الخاصة

لكل مجتمع طباعه الخاصة والمميزة في التعامل مع الفرد سواء أكان زائراً أو مواطن أصلي في البلد. ومع ذلك نلاحظ أن اليابانيون يشتركون في التعامل بنهج مميز مختلف عن باقي البلدان وهو غالباً مستمد من العامل التربوي الذي يتربى عليه اليابانيون والعرف العام للمجتمع والذي سنلاحظه في النقاط التالية.

 

فبشكل عام إن عقلية المجتمع الياباني تصب دوماً في مصلحة المجموعة، ولذلك نلاحظ دوماً أن الكثير من اليابانيين يوظفون التزاماتهم وتفكيرهم في مصلحة المجموعة كأهمية مطلقة. وذلك من أجل الحفاظ على التناغم والسلام حتى وإن كانت المصلحة تعود للمجموعة فقط دون المصلحة الشخصية وحتى إن كانت تلك المصلحة تؤذي المصالح الشخصية.

 

ووفقاً للعقلية اليابانية فإن كل فرد يُعد عضواً في عدة مجموعات تنتمي كلٌ منها لمجموعة أكبر بحيث تكون الدولة هي أكبر مجموعة، أما المدينة فهي مجموعة أصغر ثم تأتي مجموعة الجيران ثم مجموعة العائلة، فمجموعة العمل ثم زملاء القسم وهكذا.

 

 

المنزلة الاجتماعية والاحترام

بشكل عام يميل اليابانيون إلى التحلي بالأدب والاحترام والتحلي بالود عند التعامل مع الجميع، وخاصةً عند التعامل مع الأشخاص الأكبر سناً منهم، وأيضاً كل من كان أكبر سناً من ذوي المقامات العليا ضمن المجموعة مثل الرئيس والمشرف وزميل العمل الأكبر. وأيضاً كل من لديه خبرة أكبر ويبذل مجهوداً أكبر في الدراسة أو العمل والخدمة لا بد من احترامه.

 

وهذا الاحترام يشمل احترام الغرباء حتى وإن كانوا صغار أو أجانب. فالعقلية اليابانية تركز على الحفاظ على التناغم والسلام في المجتمع وأنه لا يجب الحكم على الكتاب من غلافه. أي أنه من الصعب تحديد المنزلة الاجتماعية للشخص منذ البداية كالعمر والعمل والجهود والإنجازات التي يقوم بها الشخص الغريب، ولذلك يعد من الآمن دائماً التعامل بأدب واحترام للحفاظ على التناغم والمحبة.

 

ولاننسى أنه إلى جانب صفات الأدب والاحترام يستعمل اليابانيون لغة الاحترام في اللغة اليابانية مع أي شخص غريب وأكبر سناً ومع غير المقربين كثيراً وذلك للتعبير عن التهذب.

 

 

الالتزامات

تركز العقلية اليابانية على الالتزامات بشكل أساسي، ويمكن ملاحظة ذلك من خلال التزام اليابانيون في أنشطتهم وواجباتهم منذ الصغر لتكبر معهم هذه الالتزامات وشدة الالتزام بها كلما كبروا حتى بعد التخرج من الجامعة. إذ لا بد من الحفاظ على بعض الالتزامات من أجل استمرار التقدم والإنتاجية والتناغم في المجتمع. 

 

فمثلاً يترتب على الطلاب الالتزام بقوانين المدرسة وحضور الحصص كل يوم، والقيام بالواجبات وأنشطة المجموعات التي ينضموا إليها بشكل جيد. ومع ذلك إن الإخفاق في الالتزامات في مرحلة الحياة المدرسية لا يعد عيب ومشكلة كبيرة، فالطالب في هذه المرحلة يعتبر غير بالغ ومن المتوقع أن يخطئ ويتعلم من أخطائه.

 

وأما بالنسبة لمجتمع البالغين فمن المتوقع أن يكون مستوى التزامهم سواء في الحياة المهنية أو الاجتماعية عالياً، حتى وإن استلزم ذلك التضحية برغباتهم واحتياجاتهم من أجل المصلحة العامة للمجموعة. ومع ذلك هناك أوقات يكون الالتزام فيها مبالغ للغاية لدرجة عدم قدرة الفرد على قضاء وقت في حياته الخاصة كالاسترخاء في الإجازة وقضاء الوقت مع العائلة. 

 

ولذلك هناك أماكن ربما سمع البعض بها مثل الشركات السوداء حيث انتشر شبح الموت “كاروشي” بين العاملين، ويُقصد به العمل بإفراط دون توقف وانقطاع حتى الإجهاد والتعب، فينتج عن ذلك تردي الصحة والموت تدريجياً دون تقديم شكوى أو سؤال على الأجر. حيث يعتقد الكثير في صميم قلبهم أنه يجب أن يفعلوا ذلك على أكمل وجه لأن عملهم يعد التزام متوقع منهم القيام به على أكمل وجه.

 

 

مواجهة المشاكل بطريقة غير مباشرة

في الواقع تُعتبر المواجهة بشكل مباشر شبه معدومة في اليابان، حيث يتجنب الكثير من اليابانيين الاشتباك والتعبير المباشر عن انزعاجهم وغضبهم من الشيء مع المُسبب به. فعوضاً عن ذلك يمكن أن يلمحوا بشكل غير مباشر أو قد يتجاهلوا الأمر باعتباره شيء عابر على أمل أن لايتكرر. 

 

وذلك ليس نفاقاً أو ضعفاً كما قد يعتبر البعض، وإنما السبب الأساسي وراء هذا التصرف هو خشية اليابانيين من تحول المواجهة المباشرة إلى ضغينة في قلب مسبب المشكلة، أو خوفاً من إحراجه والاستياء إذا علم بالأمر. فهم يريدون مجتمعاً مسالماً متناغماً لا يوجد فيه ضغينة مخفية.

 

فمثلاً: إذا قام أحد زملاء العمل باستعمال دفتر محبوب لزميله الكاتب ولم يرجعه له أو قام بتلويثه ببقعة قهوة. عندما اكتشف الزميل الكاتب هذا الأمر استاء بالتأكيد، ولكنه لن يذهب ويخبر زميله مسبب المشكلة عن هذا التصرف السيء ولن يعبر له عن مدى استيائه.

 

ولكن قد يتجاهل المشكلة ويتجنبها على أمل عدم تكرارها مجدداً، أو سيخبر زميل آخر عن استياءه متوقعاً منه أن يذهب ليخبر الزميل المسبب للمشكلة عن الأمر حتى لا يكرره ويعدل سلوكه بالاعتذار أو بالتعويض أو بالانتباه لتصرفاته مجدداً.

 

قد يعتقد الغير يابانيين أن هذه الطريقة غير محبوبة إذ يفضلون المواجهة السريعة والمباشرة بطريقة ما بدلاً من اللف والدوران ونشر الخبر بين الأفراد واستغراق وقت طويل حتى تصل لمسبب المشكلة. ومع ذلك لابد أن نتفهم هذه الثقافة ونتقبلها للابتعاد عن سوء التفاهم والمشاكل.

 

 

تجنب قول “لا” والرفض المباشر

في العقلية اليابانية يُعد الرفض بقول “لا” بشكل مباشر تصرف غير مهذب وغير محبوب خاصةً عند التعامل مع أشخاص غير مقربين جداً. حيث يميل اليابانيون إلى استعمال جمل أو كلمات غير مباشرة معناها الحرفي لايعبر عن الرفض ولكنها ترسل رسالة الرفض بشكل مهذب.

 

 وبشكل عام هذه الجمل مشهورة ومعروفة في المجتمع الياباني وجميعهم يتفهمونها ويستعملونها عند الرفض في الحياة اليومية وفي المواقف الرسمية والغير رسمية. وقد شرحت هذه العبارات في مقالة كاملة بالتفصيل يرجى الرجوع إليها.

 

ولكن لنقارن طريقة الرفض اليابانية مع طريقة العرب بالرفض. مثال: دعت طاهية صديقتها الجارة لحضور أمسية تبادل ثقافي في صنع الطعام في اليوم التالي، ولكن الجارة لا تستطيع الحضور بسبب وجود موعد في عملها مهم.

 

هنا قد تكون طريقة الرفض العربية بهذا الشكل للتعبير وليس للحسر: “أتمنى ذلك ولكن غداً لدي موعد مهم في العمل، أعتذر حقاً” هنا نلاحظ أن الطريقة مباشرة ومفهومة وبها كلمات تعبر عن الرغبة لمواساة مشاعر الطرف الآخر.

 

أما طريقة الرفض اليابانية قد تكون بهذا الشكل: “كم هذا جميل! ولكن غداً بعض الشيء..” أو “أرجو المعذرة، ولكن غداً بعض الشيء..”. بعض الشيء في الياباني هي “تشوتّو” وتعني قليلاً وبعض الشيء، وتُستعمل للتعبير عن الرفض الغير مباشر.

 

كما نلاحظ الطريقة اليابانية تتجنب التعبير عن سبب الرفض بشكل مباشر وتتجنب قول لا. ومثال آخر عند الذهاب إلى متجر ويسأل الزبون الموظف عن صنف من العصير قد نفذت كميته بالفعل، فقد يرد عليه الموظف بقول “أرجو المعذرة، ولكن بعض الشيء..” وقد يكمل الجملة بإخبار الزبون عن معاد وصول الكمية إذا كان يعرف أو قد يقترح له نوع آخر مشابه للصنف الذي اختفى.

 

أو حتى قد يكتفي الشخص بالرفض باستعمال كلمة “لكن” في بعض المواقف، مثل عندما يسأل شخص زميله ليذهب معه لتناول العشاء معاً فقد يرد عليه بقول “هذه فكرة جيدة، ولكن…” وهنا تكون الرسالة أن الشخص يريد ولكن لا يستطيع لسبب ما لايود قوله مباشرةً، أو قد يكمل الجملة بعد التوقف قليلاً بعد كلمة لكن، ليقترح فكرة أخرى.

 

 

المساعدة على أكمل وجه

يُعرف اليابانيون بأنهم مساعدين وطيبين، فإذا طلب منهم أحد المساعدة فهم على الأغلب سيلبون الطلب ويساعدون الشخص. فعلى سبيل المثال لنفترض أن أحد السياح يرغب في شراء تذكرة قطار للذهاب لمكان ما ولكنه عندما دخل المحطة لم يعرف ماذا يفعل وتشوش عقله.

 

في هذه الحالة إذا طلب المساعدة من طاقم العمل المميزون بملابسهم أو حتى من الناس فإنهم على الأغلب سيسمعون له ويبذلوا جهدهم لتعليمه حتى وإن استغرق ذلك وقتاً منهم!

 

أتذكر أن صديقة لي أخبرتني أنها أوقعت بطاقة خدمة القطار تحت منصة انتظار القطار، حيث كانت الأرض يوجد بها فراغات مثل الشبك ففقدت الأمل في إرجاعها، ولكنها أخبرت أحد الموظفين بما جرى حتى يعلموا بالأمر ولكنها تفاجأت بأن طاقم العمل طلب منها الانتظار قليلاً وذهبوا لتفحص الموقع وجلبوا موظفين آخرين وقاموا بفك الأرضية حيث وقعت البطاقة وارجعوا البطاقة لها بكل بسعادة!

 

 قالت لي صديقتي “على الرغم من أنها تحتوي فقط على 5 دولارات إلا أنهم عملوا بجد وبسرعة وبانتظام لإرجاعها لي. لقد شعرتُ بسعادة غامرة، وسأحتفظ بهذه البطاقة كذكرى لعملهم الدؤوب!”

 

وحتى إن فقدتم الطريق أيضاً أو أردتم السؤال عن موقع ما وكيفية الوصول له، فإن سألتم أحد اليابانيين في الطرق العامة على الأغلب سيساعدونكم، وقد يرافقونكم إلى الموقع وحتى إن كان عكس اتجاههم. وحتى إن لم يفهموا اللغة الإنجليزية أو لم يعرفوا الموقع فإنهم سيبذلون جهدهم بطرق عدة مثل سؤال أفراد يابانيون آخرين أو استعمال الهاتف، فالمهم هو إكمال المساعدة لأنها تُعتبر مثل التزام وواجب بالنسبة لهم.

 

ولكن يجب الانتباه أنه بشكل عام لن يقوم اليابانيين بمساعدة أحد ما طالما لم يطلبوا المساعدة منهم، فهم يشعرون عندما يتم طلبها منهم بأنها واجب والتزام يجب تنفيذه. وبالتأكيد هناك من يساعد حتى ولم يُطلب منه وهذا يعتمد على شخصية الفرد والوقت الذي يملكه في الموقف نفسه.

 

 

قلة الكلام ودقة المواعيد

العقلية اليابانية مبنية على المثل المشهور “الوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك” وأيضاً العبارة المشهورة “الوقت من ذهب”. وهذا يعني أن اليابانيين لايحبون قضاء وقت طويل في التحدث في أمور لا فائدة منها. حتى أننا نلاحظ طريقتهم في التحدث مختصرة وفي نفس الوقت تؤدي المعنى. وهنا أقصد أنهم لا يفتحون أكثر من موضوع في نفس الوقت ولا يسألون أكثر من سؤال في نفس اللحظة.

 

فمثلاً هناك الكثير من العرب من يقول أن اليابانيون لايردون على رسائلنا، أو طريقة ردهم مختصرة. حسناً يبدو أنه إن قارنا طرق التحدث فنحن العرب نحب الحديث والتعرف وفتح مواضيع كثيرة وحتى إن كنا منشغلين، وكثير منا يصنع الوقت ليرد على الطرف الآخر ويهتم بإعطاء رد متكامل. ولكن على العكس نلاحظ أن اليابانيون يفضلون القيام بشيء مفيد أو شيء يرغبون به في الوقت الفارغ أكثر من الاهتمام في التحدث إلا إذا كان الموضوع مهم بالنسبة للشخص.

 

 ومع ذلك نلاحظ أنهم قليلي التحدث ويدخلون في صلب الموضوع مباشرةً بتهذب، ويعطون أجوبة واضحة بكلام واضح من غير زيادة في الكلام طالما يعتبر غير مهم كثيراً. وهنا نجد أنهم يتبعون قاعدة “خير الكلام ما قل ودل”.

 

 

وبشكل عام يتجنب اليابانيون الأسئلة الشخصية عند التعرف مثل العمر والحالة ووضع العائلة ويكتفون بالعلاقة من غير تعمق، إلا إذا كانوا مهتمين فإنهم سيحاولوا السؤال حسب أجواء التحدث مع الطرف الآخر، ولكن هذا بالتأكيد لا يعني أنهم جميعهم لايتحدثون كثيراً. فبشكل عام الفتيات اليابانيات يحبون التحدث وفتح مواضيع أكثر من الشباب اليابانيون وهذه الصفة حتى موجودة في العالم العربي.

 

أما بالنسبة لدقة المواعيد أعتقد أن الكثير قد مر بتجربة دقة المواعيد مع اليابانيين! فإذا كان هناك موعد عمل أو اجتماع نجد أن اليابانيين يصلون للمكان قبل ربع ونصف ساعة، وهذا ينطبق في المواعيد الغير رسمية أيضاً كالزيارات والمكالمات والخ .

 

وهذه الصفة الجميلة لا تنطبق على الأفراد فقط، بل على مواعيد القطارات ومواعيد فتح المتاجر والإعلانات والبريد وكل شيء يتعلق بالوقت.

 

 

الخلاصة:

بالتأكيد عند ذكر نقاط وعادات وطرق تفكير مشهورة في مجتمع ما ليس بالضرورة أن تكون جميعها إيجابية ومثالية! فقد يكون هناك نقاط سلبية أو قد تسبب مشاكل أو سوء تفاهم فالشعوب جميعها ليست مثالية. ومع ذلك إنه من المهم التعرف على ثقافة وعقلية الشعب قبل الاختلاط به والذهاب إليه، وهذا من أجل الحرص على فهم الناس والابتعاد عن سوء التفاهم ولعدم التسبب بمشاكل.

 

وفي نفس الوقت النقاط التي ذكرتها ليس بالضرورة أن تنطبق على جميع الشعب الياباني ولكن هي مشهورة بينهم بشكل عام وواضحة للغاية. أتمنى بهذه المقالة أنكم استطعتم فهم المزيد عن عقلية اليابانيين. وأشكركم على القراءة!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

سياسة الخصوصية وملفات تعريف الارتباط